في خطوة استراتيجية تعكس جدية الدولة المصرية في التحول إلى مركز إقليمي لصناعة السكك الحديدية، وتماشياً مع رؤية مصر 2030 لتوطين الصناعات الثقيلة، أعلنت الهيئة القومية للأنفاق عن تقدم ملحوظ في ملف توطين صناعة الوحدات المتحركة. حيث بدأت ملامح الإنتاج المحلي لقطارات مترو الأنفاق بالظهور داخل المنطقة الصناعية بشرق بورسعيد، عبر تحالف يجمع بين الشركة الوطنية المصرية لصناعة السكك الحديدية (نيرك) وشركة “هيونداي روتم” الكورية الجنوبية العملاقة.
شراكة دولية لتعزيز الأسطول المحلي
يأتي هذا المشروع تنفيذاً للعقد المبرم الذي يقضي بتصنيع وتوريد 320 عربة مترو (بواقع 40 قطاراً)، مخصصة لخدمة الخطين الثاني والثالث لمترو أنفاق القاهرة الكبرى. ويتضمن الاتفاق تصنيع 8 قطارات للخط الثاني و32 قطاراً للخط الثالث، مع التزام الجانب الكوري بتوفير الدعم الفني ونقل التكنولوجيا الحديثة للكوادر المصرية داخل مصنع “نيرك”.
المكون المحلي: ركيزة أساسية ما يميز هذا المشروع هو التركيز على نسبة “المكون المحلي”، حيث تستهدف الحكومة المصرية البدء بنسبة مساهمة محلية عالية تزداد تدريجياً، لضمان استدامة الصناعة وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير العملة الصعبة. ويتم العمل حالياً داخل منشآت شركة “نيرك” بأحدث المعايير العالمية لضمان جودة التصنيع، بما يضاهي المنتجات المصنعة في مصانع “هيونداي” بكوريا الجنوبية.
أهداف المشروع وما بعد التصنيع لا يقتصر التعاون على مرحلة التصنيع فحسب، بل يمتد العقد ليشمل فترة ضمان لمدة عامين، تليها فترة صيانة شاملة لمدة 8 سنوات، تتعهد خلالها الشركات بتوريد قطع الغيار اللازمة وتنفيذ “عمرة جسيمة” لكل قطار. هذا النموذج يضمن ليس فقط امتلاك التكنولوجيا، بل وضمان كفاءة تشغيل الأسطول على المدى الطويل.
دلالات اقتصادية وتنموية يمثل تصنيع عربات الخط الثاني للمترو محلياً نقلة نوعية في قطاع النقل، إذ يسهم في خلق المئات من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للمهندسين والفنيين المصريين. كما يعزز من مكانة مصر كدولة قادرة على تصدير هذه التكنولوجيا للأسواق الأفريقية والشرق أوسطية في المستقبل القريب.
إن هذا التعاون المصري-الكوري يبرهن على أن الصناعة الوطنية قادرة على اقتحام أصعب المجالات التكنولوجية، مما يضع مصر بقوة على خريطة مصنعي قاطرات ووحدات النقل السككي في المنطقة، ويحقق طفرة في جودة الخدمات المقدمة لملايين الركاب يومياً في مترو الأنفاق.